مرتضى الزبيدي
35
تاج العروس
المرتفعُ في رَدَّها يعودُ على الله تعالَى ، يقول : إذْ رَدَّ اللهُ نفسِي بكَيْدِه وقوَّتِه إلى وقتِ انتهاءِ مُدَّتِي . وفي حديث ابنِ مَسْعُود : " ابْعَثوا بالهَدْىِ ، واجْعَلوا بَينَكم وبينَه يومَ أمَارٍ " . الأمَار والأمَارة : العَلامَة ، وقيل : الأمَار جمْع الأمَارِة ، ومنه الحديثُ الآخَرُ : " فهل للسَّفَرِ أمَارة ؟ " . وأمْرٌ إمْرٌ ، بالكسر : اسمٌ من أمِرَ الشَّيءُ - بالكسر - إذا اشتدَّ ، أي مُنْكَرٌ عَجِيبٌ قال الرّاجز : قد لَقِي الأقْرَاَنُ منِّي نُكْرَا * داهِيةً دَهْيَاءَ إدّاً إمْرَا وفي التَّنزِيل العزيز : ( لقد جِئْتَ شَيئاً إمْراً ( 1 ) ) . قال أبو إسحاق : أي جئتَ شيئاً عظيماً من المُنْكَر ، وقيل : الأمْر ، بالكسر : الأمْرُ العظيمُ الشَّنِيعُ ، وقيل : العَجِيب ، قال : ونُكْراً أقلُّ من قوله : إمْراً ، لأنّ تَغْرِيقَ مَنْ في السَّفِينة أنْكَرُ مِن قَتْلِ نفسٍ واحدةٍ . قال ابنُ سِيدَه : وذهبَ الكسائيُّ إلى أنّ معنى إمْراً : شيئاً داهِياً مُنكراً عَجَباً ، واشتقَّه مِن قولهم : أمِرَ القومُ ، إذا كَثُرُوا . ويقال : ما بها أي بالدّارِ أمَرٌ - محرّكةً - وتَأْمُورٌ ، وهذه عن أبي زَيْد ، مهموز ، وتُؤْمُور ، بالضَّمِّ في الأخِير ، وهذه عن ابن الأعرابيّ ، والتاءُ زائدةٌ فيهما ، وبالهمز ودونَه ، أثبتَهما الرَّضِيُّ وغيره وزادَ : وتُؤْمُرِيٌّ ، أي أحَدٌ ، واستطردَ شيخُنا في شرح نَظْمِ الفَصِيح ألفاظاً كثيرةً من هذا القَبِيل ، منها ( 2 ) : ما بها شُفْرٌ [ وشَفْرةٌ ] وطُوئِيٌّ وطاوِيٌّ [ وطُوَوِيٌّ وطُؤَوِيٌّ ] وطُؤْرِيٌّ ودُورِيٌّ ودارِيٌّ ودِبِّيجٌ وآرِمٌ وأرَمٌ وأريمٌ [ وإرَمِيٌّ ، وأيرَمِيٌّ ] ونُمِّيٌّ ودُعْوِيٌّ ودُبِّيٌّ وكَتِيعٌ وكُتَاعٌ ودَيّار ودَيُّورٌ وكَرّابٌ ووَابِنٌ ونافِخُ ضَرَمَةٍ ووَابرٌ وعَيْنٌ وعائِنَةٌ ولا عَريبٌ ولا صافِرٌ ، قال : ومعنَى هذه الحُرُوفِ كلِّهَا : أحَدٌ وحَكَى جميعَها صاحبُ كتابِ المَعَالِم ، والمُطَرّز في كتاب الياقوت ، وابنُ الأنباريّ في كتاب الزّاهر ، وابنُ السِّكِّيت ، وابنُ سيده في العَوِيص ، وزاد بعضُهم على بعضٍ ، وقد ذكر المصنِّفُ بعضاً منها في مواضعها واستجادَ فراجِعْ شَرْحَ شيخِنا في هذا المَحَل فإنه بَسَطَ وأفادَ . والائْتِمَارُ : المُشَاوَرَةُ ، كالمُؤامَرَةِ والاسْتِئْمارِ والتَّأَمُّرِ على التَّفَعُّل ، والتَّآمُرِ على التَّفاعُلِ . وآمَرَه في أمْره ووَامرَه واستَأْمَره : شاوَرَه . وقال غيرُه : آمَرْتُه في أمْرِي مُؤامرةً ، إذا شاوَرْته والعامَّةُ تقول : وَامَرْته . ومن المُؤامَرِة : المُشَاورةِ ، في الحديث : " آمِرُوا النِّساءَ في أنْفُسِهِن " ، أي شاوِرُوهُنَّ في تَزْوِيجِهنَّ ، قال ابنُ الأثِير : ويقال فيه : وَامَرْتُه ، وليس بفَصِيحٍ ( 3 ) . وفي حديث عُمر ( 4 ) : " آمِرُوا النِّساءَ في بناتِهنَّ " ، وهو من جهةِ استطابَةِ انفسِهنَّ ، وهو أدْعَى للأُلفةِ وخَوْفاً من وُقُوعِ الوَحْشَة بينهما إذا لم يكن برضَا الأُمِّ ، إذ البَناتُ إلى الأُمَّهَاتِ أمْيَلُ ، وفي سَماع قولِهنَّ أرغبُ . وفي حديث المُتْعَة : " فآمَرَتْ نفْسَها " أي شاوَرَتْها واستأْمَرَتْهَا . ويقال : تأمَّرُوا على الأمْر وائْتَمَرُوا : تَمارَوْا وأجْمَعُوا آراءَهم . وفي التَّنزِيل : ( إنّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بكَ ليَقْتُلُوكَ ) ( 5 ) . قال أبو عُبَيْدَةَ : أي يَتَشَاوَرُون عليكَ [ ليقتلوك ] ( 6 ) ، وقال الزَّجَّاج : معنى قولِه : ( يَأْتَمِرُون بكَ ) : يأْمُر بعضُهم بعضاً بقتلكَ . قال أبو منصور : ائتمرَ القومُ وتآمَرُوا ، إذا أمَرَ بعضُهُم بعضاً ، كما يقال : اقْتَتَل القومُ وتَقَاتَلُوا ، واختَصُموا وتَخَاصَمُوا ، ومعنى ، ( يَأْتَمِرُون بك ) أي يُؤامِرُ بعضُهم بعضاً بقتلِكَ وفي قتلِكَ ، قال : وأمّا قولُه : ( وائْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ) ( 7 ) فمعناه واللهُ أعلمُ لِيأْمُرْ بعضُكم بعضاً بمعروفٍ . وقال شَمِرٌ في تفسِيرِ حديثِ عُمَرَ ، رضي اللهُ عنه : " الرِّجالُ ثلاثةٌ : رجلٌ غذا نَزَلَ به أمْرٌ ائْتَمَرَ رَأْيَه " ، قال : معناه ارْتَأَى وشاوَرَ نفسَه قبلَ أنْ يُواقِعَ ما يُرِيدُ ، قال : ومنه قولُ الأعْشَى : * لا يَدَّرِي المَكْذُوُب كيفَ يَأْتَمِرْ *
--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 71 . ( 2 ) ثم ضبط العبارة من هنا إلى قوله : ولا عريب ولا صافن عن هامش المطبوعة المصرية ، والزيادات المستدركة ضمن قوسين معقوفين عن الهامش أيضا . ( 3 ) قال ابن الأثير : وهذا أمر ندب وليس بواجب . . . ويجوز أن يكون أراد به الثيب دون الأبكار ، فإنه لا بد من إذنهن في النكاح . ( 4 ) الأصل واللسان ، وفي النهاية : ابن عمر . ( 5 ) سورة القصص الآية 20 . ( 6 ) زيادة عن التهذيب واللسان . ( 7 ) سورة الطلاق الآية 6 .